صديق الحسيني القنوجي البخاري

506

فتح البيان في مقاصد القرآن

نفسه لأن رأى من الأفعال التي ترد اسما وخبرا نحو الظن والحسبان فلا يقتصر فيه على مفعول واحد ، والعرب تطرح النفس من هذا الجنس تقول رأيتني وحسبتني ومتى نراك خارجا ومتى نظنك خارجا . قيل والمراد هنا أنه استغنى بالعشيرة والأنصار والأموال ، قرأ الجمهور أن رآه بمد الهمزة وقرىء بقصرها ، قال مقاتل كان أبو جهل إذا أصاب مالا زاد في ثيابه ومركبه وطعامه وشرابه فذلك طغيانه وكذا قال الكلبي . قال الرازي : أول السورة يدل على مدح العلم ، وآخرها يدل على ذم المال وكفى بذلك مرغبا في الدين والعلم ، ومنفرا عن الدنيا والمال . ثم هدد سبحانه وخوف فقال : إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى أي المرجع ، والرجعى والمرجع والرجوع مصادر ، يقال رجع إليه مرجعا ورجوعا ورجعي ، وتقدم الجار والمجرور للقصر أي الرجعى إليه سبحانه لا إلى غيره ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب تهديدا له وتحذيرا من عاقبة الطغيان ، فإن اللّه يرده ويرجعه إلى النقصان والفقر والموت كما رده من النقصان إلى الكمال حيث نقله من الجمادية إلى الحيوانية ، ومن الفقر إلى الغنى ، ومن الذل إلى العز ، فما هذا التعزز والقوة ، قاله الرازي . أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى قال المفسرون الذي ينهى أبو جهل ، والمراد بالعبد محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، قال ابن عباس هو أبو جهل بن هشام حين رمى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالسلى « 1 » على ظهره وهو ساجد للّه عز وجل ، وفي تقبيح لصنعه وتشنيع لفعله ، حتى كأنه بحيث يراه كل من تتأتى منه الرؤية . وعن ابن عباس قال : قال أبو جهل : « لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن عنقه فبلغ النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال لو فعل لأخذته الملائكة عيانا » . [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 11 إلى 19 ] أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ( 12 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 ) أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 ) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ( 15 ) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 ) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ( 19 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى يعني العبد المنهي إذا صلى ، وهو محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى أي بالإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تتقي به النار . أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يعني أبا جهل كذب بما جاء به رسول اللّه صلى اللّه

--> ( 1 ) السلى : هو كرش الجزور بما فيه من القاذورات .